سيد محمد طنطاوي

287

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يهمه سوى منفعتهم ومصلحتهم . . وهنا نجد القرآن الكريم يخبرنا بأن فرعون بعد أن استمع إلى نصيحة الرجل المؤمن ، أخذته العزة بالإثم ، وقال ما يقوله كل طاغية معجب بنفسه : * ( ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى ، وما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ) * . أي : قال فرعون لقومه ، في رده على نصيحة الرجل المؤمن : يا قوم لا أشير عليكم ولا أخبركم إلا بما أراه صوابا وخيرا ، وهو أن أقتل موسى - عليه السلام - وما أهديكم برأيي هذا إلا إلى طريق السداد والرشاد . وغرض فرعون بهذا القول ، التدليس والتمويه على قومه . وأنه ما يريد إلا منفعتهم ، مع أن الدافع الحقيقي لقوله هذا ، هو التخلص من موسى حتى يخلو له الجو في تأليه نفسه على جهلة قومه ، فإنهم كانوا كما قال - تعالى - في شأنهم : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَه فَأَطاعُوه إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ . ولكن الرجل المؤمن لم يسكت أمام هذا التدليس والتمويه الذي نطق به فرعون ، بل استرسل في نصحه لقومه . وحكى القرآن عنه ذلك فقال : * ( وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزابِ . . ) * . أي قال لهم : يا قوم إني أخاف عليكم إذا تعرضتم لموسى - عليه السلام - بالقتل أو بالتكذيب ، أن ينزل بكم عذاب مثل العذاب الذي نزل على الأمم الماضية التي تحزبت على أنبيائها ، وأعرضت عن دعوتهم ، فكانت عاقبتها خسرا . . فالمراد بالأحزاب : تلك الأمم السابقة التي وقفت من أنبيائها موقف العداء والبغضاء . وكأن تلك الأمم من حزب ، والأنبياء من حزب آخر . . والمراد باليوم هنا : الأحداث والوقائع والعقوبات التي حدثت فيه . فالكلام على حذف مضاف . أي : أخاف عليكم مثل حادث يوم الأحزاب . وقوله : * ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ . . . ) * بدل أو عطف بيان من قوله * ( مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزابِ ) * . والدأب : العادة الدائمة المستمرة يقال : دأب فلان على كذا ، إذا داوم عليه وجد فيه ، ثم غلب استعماله في الحال والشأن والعادة . أي : أخاف عليكم أن يكون حالكم وشأنكم كحال قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم